أسسها المغفور له   

عبد القدوس القاسم الأنصاري

عام 1355 هـ / 1937 م

ملكها ورأس تحريرها المغفور له

نبيه عبد القدوس الأنصاري

 1403 - 1424هـ

 

مجلة للآداب والعلوم والثقافة

الصفحة الرئيسية الاصدارات مما قل كتالوج مسابقة المنهل الاتصال بنا

الغلاف
نحو اقتصاد المعرفة
جوائز
ذكرى ملك
مكافحة المخدرات
قرأة السيرة
ملتقيات
اصدارات
أحكام
إعجاز القرآن
تحرير المصطلح
عالم الكتب
اللحم الأبيض
شعر
معايير عالمية علمية
في الرد على المنصرين
حوار
فكر بفكر
في ذاكرة ال 28
من أسواق العرب
أعلام خالدة
رجال لهم تاريخ
الحديث ذو شجون
شعر
دراسات انسانية
الغذاء والدواء
شعر
كوارث طبيعية
أحماض أدبية
الأسرة انتماء
اهل جازان
قصة قصيرة
خطرات فكر
مسك الختام

الحديث ذو شجون

 

أ.د. محمد رجب البيومي
- مصر -

صديق المتخاصميْن

أستاذنا العالم الأديب الأستاذ الدكتور محمد رجب البيومي ـ أدام الله عليه فضله ـ من كبار محبي مجلة ـ المنهل ـ ومن كبار الكتاب فيها، استدامة ووصلاً.. وكتاباته مكان استحسان القراء. وقد آثر مجلة المنهل بالكثير من علمه وأدبه وفضله..

وهذا الباب (الحديث ذو شجون) سيكون مدار حلقاته الجديدة لقرائه الأفاضل.

لا أتحدث هنا عن العالم المتخصص في مادة من المواد التي يقوم بتدريسها أو التأليف في موضوعها، فهذا من واجبه أن يقرأ كلّ ما يستطيع قراءته في مادته، وأن يراقب ما يتصدر بشأنها مراقبة من يتطلع إلى الجديد، وهو مُقصّر إنْ توانى عن ذلك، مقصر أمام نفسه وأمام الناس، لأن الثقة التي نيطت به تتطلب منه أن يكون أهلاً لها، ولن يكون أهلا إلا بمداومة البحث ومواصلة الاطلاع!

نعم لا أتحدث هُنا عن العالم المتخصص وإنما أتحدث عن القارئ المثقف، الذي تتقاذف عليه عشرات الكتب من كل صوب، والذي يحاول جاهدا أن يجمع منها ما يقدر على امتلاكه وفقاً لظروفه الخاصة فأتساءل أيهما أفضل لهذا المثقف أن يقتصر على بعض دون بعض وفق ما ترتاح إليه نفسه عند الشراء، أمْ يجمع الكثير مما يستطيع شراءه لتزدان به مكتبته، وتكون هذه المكتبة من أسباب مباهاته واعتزازه من عارفيه وزائريه! وأي الرجلين من هذين الاتجاهين أحزم وأجدر؟

قد يكون الدارج في الإجابة عن هذا السؤال عند النظرة الأولى هو الفريق الذي يجمع ما يستطيع شراءه لتزدان به مكتبته، فاقتناء الكتب مما يُحمد ويمدح، بل يدل على تسام فكريّ، واستعلاء نفسي لا سبيل إلى إنكارهما!

ولكننا بمشاهدة الواقع العملي الملموس نُدرك أن الذي يجمع الكتب الكثيرة دون ضابط منه، لا يستطيع استيعاب ما يجمع، بل لا يستطيع في أحيان كثيرة أنْ يتصفح بعض ما يجمع، وإنما قصاراه أن تتضخم المكتبة وأنْ يفرح بنموها المتزايد وكأنه أمين مكتبة عامة يدير حركة القراءة والاستعارة بلْ إن بعض أمناء المكاتب العامة مثقفون ممتازون يقرأون بجدارة لا نجدها عند هذا الذي يبذل جهده الجاهد في اقتناء الكتب فحسب، وقد أصبحت كثرتها الكاثرة عائقاً عن اختيار ما يفيد ذهنه ويملأ فراغ وقته مما ملك واقتنى!

وما أقول ذلك اعتباطاً دون تجربة، فقد عهدت صاحب المكتبة المحدودة قارئاً مجيداً تسأله عن كتاب لديْه فيتحدّث عنه حديث الدارس الملمّ. وكأنه وقد آثر اختيار ما يشترى، ورجح بين كتاب وكتاب جعل من هَمّه أن يرى صدق فراسته فيما اختار، فجعل يقرأ مستمرئا مستطعماً، وإذا لم ييسر له وقتُه المحدود أن يقرأ جميع الكتاب فلن يترك تصفحّه وقراءة بعض موضوعاته، وان ذاك تكون المكتبة المحدودة التي قام باختيارها ذات رسالة حافزة للقراءة وذات نفع للأسرة جميعها، إذ يوجد بين أولاده من يحاول الاطلاع على آثارها ووالده من ورائه يختار له من المناسب ليشجعه على القراءة. وقد يناقشه فيما قرأ، ويخصه بعبارات الثناء إنْ وفق في التحصيل، وكم يكون حسنا أن يشترك الأب وأبناؤه في تقدير كتابٍ أو قصة أو ديوان شعر، وأنْ يكون لكل منهم نظرته الخاصة! كل ذلك لا يكون إلا إذا كان صاحب المكتبة قارئاً ذواقة عن حب واقتناع.

هذا صاحب المكتبة المحدودة. أمّا الذي يحرص على شراء كل ما يتسع له جيبه من الكتب دون اختيار دقيق فستتراكم أمامه المشتريات، وقد يشغله كثيراً تهيئة أماكنها واختيار ما يروق من دواليبها، ثم يعرضها على الزوار وكأنها تُحفٌ فنية كأدوات الزينة في المنزل، ولا شيء بعد ذلك. وقد تستعير منه كتاباً فتسأله عن موضوعه وعمّا راقه من فصوله فتجد الاعتذار بأن المكتبة ضخمة فسيحة، وهو لا يقرأ منها غير القليل. وهذا الذي لا يقرأ غير القليل لا يَهْتم بقراءة أولاده إذا أرادوا الاستمتاع ببعض ما ادخر من أشعار وقد يسأله أحدهم عن بعض ما استعصى عليه فلا يكاد يجيب وهذا هو الواقع المشهود ودون إنكار..

وبعد فماذا أريدُ بعد هذا العرض الوجيز؟ أريدُ مِنْ كل مثقف أن تكون لديه مكتبة «مختارة» في منزله، وأن يوجه همه لقراءتها، والإفادة من آثارها، وحين تكون الكتب «مختارة» ومنتقاة فذلك أدعى إلى نفعها المرجوّ، وإذا كان الإنسان لا يحرز في دولاب الملابس غير ما يصلح للباس من الحلل المقبولة، ويرى زيادة هذه الحُلل عما يتطلب مثله عبثاً لا قيمة له، فكذلك الأمر مع الكتب، فكلما لاءْمَتْ حاجة المنزل وساكنيه كانت أقرب إلى السداد.

فإذا تركنا الكتب إلى الصحف والمجلات فإننا نرى الوضع لا يختلف تماما، فالذي يحرص على قراءة الصحف اليومية جميعها، وأكثر المجلات الأسبوعية يشغل وقته في المكرر المعتاد دون إضافة، فكما تسمع نشرة الأخبار متحدة أو تكاد تكون متحدة من الإذاعة والتليفزيون، فإنك ترى هذا التشابه في الجرائد اليومية، والاستغراق في قراءتها جميعها ملهاة «لا حد لها». لا سيما وهي تفرد عشرات الصفحات للرياضة والفن وأحاديث النجوم والاعلام من الفريقين وصورهم المتكررة دون سأم، وهناك من يقتصر على جريدة أو جريدتين على الأكثر، ولا يقرأ من الصفحات المتعددة فيها غير ما يلفت نظره من العناوين الهامة أو الموضوعات الحيوية، وهو بذلك يوفِّر الوقت لقراءة مثمرة في كتاب، أو عمل خاص أنيط به، ومثل هذا في دنيا الصحف والمجلات مثل الذي يختار الجيد في مكتبته المحدودة في دنيا الكتب والمكتبات! وقد كادت قراءة الصحف اليومية دون جدوى تكون مرضا يتطلب الاستشفاء، وبخاصة لدى هؤلاء الذين يتبادلون الصحف اليومية ليقضوا الوقت في حل الكلمات المتقاطعة، أو استطلاع ما يكتب عن حظك اليوم أو إلى ما يشبه هذه الأوْهام! والأبُ قدوة لأبنائه فإذا رأوا شغل أبيهم الشاغل هو التلهي بما يقطع الوقت فحسب، فقد عرفوا سبيل اللهو من أقرب طريق.

قد يظن قارئ متعجل أني لا أرحب بغير الاطلاع، واستمرار القراءة، وهذا بعيدٌ عن الواقع لأني أنشدُ الاطلاع المثمر والقراءة الهادفة، وأرى إتاحة الوقت معهما للتفكير الخلوي فيما نقرأ، لأن استعادة ما قرأه الإنسان في فكره الصامت. مما يثبت الأفكار، ويحول دون انسيابها إلى عالم النسيان، فالقراءة، ثم استعادة المقروء في فكر صامت، هما سبيل الرقي الفكري، والتقدم الحضاري، وبهما تنهض الحياة! ولن يكون ذلك مع الحرص على جمع الكتب وصيانتها في الرفوف دون اطلاع.

لا أتحدث هنا عن العالم المتخصص في مادة من المواد التي يقوم بتدريسها أو التأليف في موضوعها، فهذا من واجبه أن يقرأ كلّ ما يستطيع قراءته في مادته، وأن يراقب ما يتصدر بشأنها مراقبة من يتطلع إلى الجديد، وهو مُقصّر إنْ توانى عن ذلك، مقصر أمام نفسه وأمام الناس، لأن الثقة التي نيطت به تتطلب منه أن يكون أهلاً لها، ولن يكون أهلا إلا بمداومة البحث ومواصلة الاطلاع!

نعم لا أتحدث هُنا عن العالم المتخصص وإنما أتحدث عن القارئ المثقف، الذي تتقاذف عليه عشرات الكتب من كل صوب، والذي يحاول جاهدا أن يجمع منها ما يقدر على امتلاكه وفقاً لظروفه الخاصة فأتساءل أيهما أفضل لهذا المثقف أن يقتصر على بعض دون بعض وفق ما ترتاح إليه نفسه عند الشراء، أمْ يجمع الكثير مما يستطيع شراءه لتزدان به مكتبته، وتكون هذه المكتبة من أسباب مباهاته واعتزازه من عارفيه وزائريه! وأي الرجلين من هذين الاتجاهين أحزم وأجدر؟

قد يكون الدارج في الإجابة عن هذا السؤال عند النظرة الأولى هو الفريق الذي يجمع ما يستطيع شراءه لتزدان به مكتبته، فاقتناء الكتب مما يُحمد ويمدح، بل يدل على تسام فكريّ، واستعلاء نفسي لا سبيل إلى إنكارهما!

ولكننا بمشاهدة الواقع العملي الملموس نُدرك أن الذي يجمع الكتب الكثيرة دون ضابط منه، لا يستطيع استيعاب ما يجمع، بل لا يستطيع في أحيان كثيرة أنْ يتصفح بعض ما يجمع، وإنما قصاراه أن تتضخم المكتبة وأنْ يفرح بنموها المتزايد وكأنه أمين مكتبة عامة يدير حركة القراءة والاستعارة بلْ إن بعض أمناء المكاتب العامة مثقفون ممتازون يقرأون بجدارة لا نجدها عند هذا الذي يبذل جهده الجاهد في اقتناء الكتب فحسب، وقد أصبحت كثرتها الكاثرة عائقاً عن اختيار ما يفيد ذهنه ويملأ فراغ وقته مما ملك واقتنى!

وما أقول ذلك اعتباطاً دون تجربة، فقد عهدت صاحب المكتبة المحدودة قارئاً مجيداً تسأله عن كتاب لديْه فيتحدّث عنه حديث الدارس الملمّ. وكأنه وقد آثر اختيار ما يشترى، ورجح بين كتاب وكتاب جعل من هَمّه أن يرى صدق فراسته فيما اختار، فجعل يقرأ مستمرئا مستطعماً، وإذا لم ييسر له وقتُه المحدود أن يقرأ جميع الكتاب فلن يترك تصفحّه وقراءة بعض موضوعاته، وان ذاك تكون المكتبة المحدودة التي قام باختيارها ذات رسالة حافزة للقراءة وذات نفع للأسرة جميعها، إذ يوجد بين أولاده من يحاول الاطلاع على آثارها ووالده من ورائه يختار له من المناسب ليشجعه على القراءة. وقد يناقشه فيما قرأ، ويخصه بعبارات الثناء إنْ وفق في التحصيل، وكم يكون حسنا أن يشترك الأب وأبناؤه في تقدير كتابٍ أو قصة أو ديوان شعر، وأنْ يكون لكل منهم نظرته الخاصة! كل ذلك لا يكون إلا إذا كان صاحب المكتبة قارئاً ذواقة عن حب واقتناع.

هذا صاحب المكتبة المحدودة. أمّا الذي يحرص على شراء كل ما يتسع له جيبه من الكتب دون اختيار دقيق فستتراكم أمامه المشتريات، وقد يشغله كثيراً تهيئة أماكنها واختيار ما يروق من دواليبها، ثم يعرضها على الزوار وكأنها تُحفٌ فنية كأدوات الزينة في المنزل، ولا شيء بعد ذلك. وقد تستعير منه كتاباً فتسأله عن موضوعه وعمّا راقه من فصوله فتجد الاعتذار بأن المكتبة ضخمة فسيحة، وهو لا يقرأ منها غير القليل. وهذا الذي لا يقرأ غير القليل لا يَهْتم بقراءة أولاده إذا أرادوا الاستمتاع ببعض ما ادخر من أشعار وقد يسأله أحدهم عن بعض ما استعصى عليه فلا يكاد يجيب وهذا هو الواقع المشهود ودون إنكار..

وبعد فماذا أريدُ بعد هذا العرض الوجيز؟ أريدُ مِنْ كل مثقف أن تكون لديه مكتبة «مختارة» في منزله، وأن يوجه همه لقراءتها، والإفادة من آثارها، وحين تكون الكتب «مختارة» ومنتقاة فذلك أدعى إلى نفعها المرجوّ، وإذا كان الإنسان لا يحرز في دولاب الملابس غير ما يصلح للباس من الحلل المقبولة، ويرى زيادة هذه الحُلل عما يتطلب مثله عبثاً لا قيمة له، فكذلك الأمر مع الكتب، فكلما لاءْمَتْ حاجة المنزل وساكنيه كانت أقرب إلى السداد.

فإذا تركنا الكتب إلى الصحف والمجلات فإننا نرى الوضع لا يختلف تماما، فالذي يحرص على قراءة الصحف اليومية جميعها، وأكثر المجلات الأسبوعية يشغل وقته في المكرر المعتاد دون إضافة، فكما تسمع نشرة الأخبار متحدة أو تكاد تكون متحدة من الإذاعة والتليفزيون، فإنك ترى هذا التشابه في الجرائد اليومية، والاستغراق في قراءتها جميعها ملهاة «لا حد لها». لا سيما وهي تفرد عشرات الصفحات للرياضة والفن وأحاديث النجوم والاعلام من الفريقين وصورهم المتكررة دون سأم، وهناك من يقتصر على جريدة أو جريدتين على الأكثر، ولا يقرأ من الصفحات المتعددة فيها غير ما يلفت نظره من العناوين الهامة أو الموضوعات الحيوية، وهو بذلك يوفِّر الوقت لقراءة مثمرة في كتاب، أو عمل خاص أنيط به، ومثل هذا في دنيا الصحف والمجلات مثل الذي يختار الجيد في مكتبته المحدودة في دنيا الكتب والمكتبات! وقد كادت قراءة الصحف اليومية دون جدوى تكون مرضا يتطلب الاستشفاء، وبخاصة لدى هؤلاء الذين يتبادلون الصحف اليومية ليقضوا الوقت في حل الكلمات المتقاطعة، أو استطلاع ما يكتب عن حظك اليوم أو إلى ما يشبه هذه الأوْهام! والأبُ قدوة لأبنائه فإذا رأوا شغل أبيهم الشاغل هو التلهي بما يقطع الوقت فحسب، فقد عرفوا سبيل اللهو من أقرب طريق.

قد يظن قارئ متعجل أني لا أرحب بغير الاطلاع، واستمرار القراءة، وهذا بعيدٌ عن الواقع لأني أنشدُ الاطلاع المثمر والقراءة الهادفة، وأرى إتاحة الوقت معهما للتفكير الخلوي فيما نقرأ، لأن استعادة ما قرأه الإنسان في فكره الصامت. مما يثبت الأفكار، ويحول دون انسيابها إلى عالم النسيان، فالقراءة، ثم استعادة المقروء في فكر صامت، هما سبيل الرقي الفكري، والتقدم الحضاري، وبهما تنهض الحياة! ولن يكون ذلك مع الحرص على جمع الكتب وصيانتها في الرفوف دون اطلاع.

لا أتحدث هنا عن العالم المتخصص في مادة من المواد التي يقوم بتدريسها أو التأليف في موضوعها، فهذا من واجبه أن يقرأ كلّ ما يستطيع قراءته في مادته، وأن يراقب ما يتصدر بشأنها مراقبة من يتطلع إلى الجديد، وهو مُقصّر إنْ توانى عن ذلك، مقصر أمام نفسه وأمام الناس، لأن الثقة التي نيطت به تتطلب منه أن يكون أهلاً لها، ولن يكون أهلا إلا بمداومة البحث ومواصلة الاطلاع!

نعم لا أتحدث هُنا عن العالم المتخصص وإنما أتحدث عن القارئ المثقف، الذي تتقاذف عليه عشرات الكتب من كل صوب، والذي يحاول جاهدا أن يجمع منها ما يقدر على امتلاكه وفقاً لظروفه الخاصة فأتساءل أيهما أفضل لهذا المثقف أن يقتصر على بعض دون بعض وفق ما ترتاح إليه نفسه عند الشراء، أمْ يجمع الكثير مما يستطيع شراءه لتزدان به مكتبته، وتكون هذه المكتبة من أسباب مباهاته واعتزازه من عارفيه وزائريه! وأي الرجلين من هذين الاتجاهين أحزم وأجدر؟

قد يكون الدارج في الإجابة عن هذا السؤال عند النظرة الأولى هو الفريق الذي يجمع ما يستطيع شراءه لتزدان به مكتبته، فاقتناء الكتب مما يُحمد ويمدح، بل يدل على تسام فكريّ، واستعلاء نفسي لا سبيل إلى إنكارهما!

ولكننا بمشاهدة الواقع العملي الملموس نُدرك أن الذي يجمع الكتب الكثيرة دون ضابط منه، لا يستطيع استيعاب ما يجمع، بل لا يستطيع في أحيان كثيرة أنْ يتصفح بعض ما يجمع، وإنما قصاراه أن تتضخم المكتبة وأنْ يفرح بنموها المتزايد وكأنه أمين مكتبة عامة يدير حركة القراءة والاستعارة بلْ إن بعض أمناء المكاتب العامة مثقفون ممتازون يقرأون بجدارة لا نجدها عند هذا الذي يبذل جهده الجاهد في اقتناء الكتب فحسب، وقد أصبحت كثرتها الكاثرة عائقاً عن اختيار ما يفيد ذهنه ويملأ فراغ وقته مما ملك واقتنى!

وما أقول ذلك اعتباطاً دون تجربة، فقد عهدت صاحب المكتبة المحدودة قارئاً مجيداً تسأله عن كتاب لديْه فيتحدّث عنه حديث الدارس الملمّ. وكأنه وقد آثر اختيار ما يشترى، ورجح بين كتاب وكتاب جعل من هَمّه أن يرى صدق فراسته فيما اختار، فجعل يقرأ مستمرئا مستطعماً، وإذا لم ييسر له وقتُه المحدود أن يقرأ جميع الكتاب فلن يترك تصفحّه وقراءة بعض موضوعاته، وان ذاك تكون المكتبة المحدودة التي قام باختيارها ذات رسالة حافزة للقراءة وذات نفع للأسرة جميعها، إذ يوجد بين أولاده من يحاول الاطلاع على آثارها ووالده من ورائه يختار له من المناسب ليشجعه على القراءة. وقد يناقشه فيما قرأ، ويخصه بعبارات الثناء إنْ وفق في التحصيل، وكم يكون حسنا أن يشترك الأب وأبناؤه في تقدير كتابٍ أو قصة أو ديوان شعر، وأنْ يكون لكل منهم نظرته الخاصة! كل ذلك لا يكون إلا إذا كان صاحب المكتبة قارئاً ذواقة عن حب واقتناع.

هذا صاحب المكتبة المحدودة. أمّا الذي يحرص على شراء كل ما يتسع له جيبه من الكتب دون اختيار دقيق فستتراكم أمامه المشتريات، وقد يشغله كثيراً تهيئة أماكنها واختيار ما يروق من دواليبها، ثم يعرضها على الزوار وكأنها تُحفٌ فنية كأدوات الزينة في المنزل، ولا شيء بعد ذلك. وقد تستعير منه كتاباً فتسأله عن موضوعه وعمّا راقه من فصوله فتجد الاعتذار بأن المكتبة ضخمة فسيحة، وهو لا يقرأ منها غير القليل. وهذا الذي لا يقرأ غير القليل لا يَهْتم بقراءة أولاده إذا أرادوا الاستمتاع ببعض ما ادخر من أشعار وقد يسأله أحدهم عن بعض ما استعصى عليه فلا يكاد يجيب وهذا هو الواقع المشهود ودون إنكار..

وبعد فماذا أريدُ بعد هذا العرض الوجيز؟ أريدُ مِنْ كل مثقف أن تكون لديه مكتبة «مختارة» في منزله، وأن يوجه همه لقراءتها، والإفادة من آثارها، وحين تكون الكتب «مختارة» ومنتقاة فذلك أدعى إلى نفعها المرجوّ، وإذا كان الإنسان لا يحرز في دولاب الملابس غير ما يصلح للباس من الحلل المقبولة، ويرى زيادة هذه الحُلل عما يتطلب مثله عبثاً لا قيمة له، فكذلك الأمر مع الكتب، فكلما لاءْمَتْ حاجة المنزل وساكنيه كانت أقرب إلى السداد.

فإذا تركنا الكتب إلى الصحف والمجلات فإننا نرى الوضع لا يختلف تماما، فالذي يحرص على قراءة الصحف اليومية جميعها، وأكثر المجلات الأسبوعية يشغل وقته في المكرر المعتاد دون إضافة، فكما تسمع نشرة الأخبار متحدة أو تكاد تكون متحدة من الإذاعة والتليفزيون، فإنك ترى هذا التشابه في الجرائد اليومية، والاستغراق في قراءتها جميعها ملهاة «لا حد لها». لا سيما وهي تفرد عشرات الصفحات للرياضة والفن وأحاديث النجوم والاعلام من الفريقين وصورهم المتكررة دون سأم، وهناك من يقتصر على جريدة أو جريدتين على الأكثر، ولا يقرأ من الصفحات المتعددة فيها غير ما يلفت نظره من العناوين الهامة أو الموضوعات الحيوية، وهو بذلك يوفِّر الوقت لقراءة مثمرة في كتاب، أو عمل خاص أنيط به، ومثل هذا في دنيا الصحف والمجلات مثل الذي يختار الجيد في مكتبته المحدودة في دنيا الكتب والمكتبات! وقد كادت قراءة الصحف اليومية دون جدوى تكون مرضا يتطلب الاستشفاء، وبخاصة لدى هؤلاء الذين يتبادلون الصحف اليومية ليقضوا الوقت في حل الكلمات المتقاطعة، أو استطلاع ما يكتب عن حظك اليوم أو إلى ما يشبه هذه الأوْهام! والأبُ قدوة لأبنائه فإذا رأوا شغل أبيهم الشاغل هو التلهي بما يقطع الوقت فحسب، فقد عرفوا سبيل اللهو من أقرب طريق.

قد يظن قارئ متعجل أني لا أرحب بغير الاطلاع، واستمرار القراءة، وهذا بعيدٌ عن الواقع لأني أنشدُ الاطلاع المثمر والقراءة الهادفة، وأرى إتاحة الوقت معهما للتفكير الخلوي فيما نقرأ، لأن استعادة ما قرأه الإنسان في فكره الصامت. مما يثبت الأفكار، ويحول دون انسيابها إلى عالم النسيان، فالقراءة، ثم استعادة المقروء في فكر صامت، هما سبيل الرقي الفكري، والتقدم الحضاري، وبهما تنهض الحياة! ولن يكون ذلك مع الحرص على جمع الكتب وصيانتها في الرفوف دون اطلاع.

          

 

 

جميع الحقوق محفوظة إلى دارة المنهل للصحافة والنشر المحدودة

تحتفظ هيئة التحرير بالحق فى تحديد أولويات النشر ويخضع ترتيب مواد المجلة لاعتبارات فنية لا علاقة لها بالموضوع أو مكانة الكاتب