ثمَّ قسمَنا فريقين، وعلّمنا لعبَ الكرة
بالقدمين دون اليدين، وخطَّ خطوطاً كثيرة في الملعب، فشرعنا ندورُ
حول الكرة دورانَ الدِّيكة على حبّات الذُّرة، وقد علا صراخُنا،
وبلَّل العرقُ أجسامنا. ولـمَّا رآني أبو الجوائز أمتدُّ في أثر
الكرة كالمارد، وأعطِفُ على المهاجمين، وأستخلصُها من بين أقدامهم
كالشَّعرة من العجين، وأمرقُ كما يَمْرُقُ السَّهمُ من
الرَّميَّة(6) لّما رآني أشار إليَّ، وقال: تعالَ يا بُنيّ، فجئته
مُهرولاً وقلت: سمعاً وطاعة!
قال: ما اسمك؟ قلت: نَطَّاحة.
قال: اسمٌ على مُسمَّى! رأيتُك تنطحُ الكُرة،
ولا تنطح اللاعبين، وقد وقع اختياري عليك، لتكون من اللاعبين
المنتخبين المنتجين!
قلت: الحمد لله، أفرحتني، وأرقصتَ أرنبة أنفي،
ورأيتني ما لا عهد لي به، فما هذه الملابسُ التي ترتديها؟ وما هذه
الكرة؟ وما هذه الخطوطُ التي خططتَها؟!
فأخذ بيدي وقال: ستعرفُ كلَّ شيء بعد حين،
وتيقّن أنّه:
لا
يُشْبعُ النفسَ شيءٌ حينَ تُدركُه
ولا يزالُ لها في
غيره نَظَرُ!(7)
ثمَّ استأذن والديّ، وانطلق بي إلى بغداد،
وأدخلني إلى ساحة خضراء تحيطُ بها مقاعد متلاصقة متراكبة، وأعمدة
ذات قناديل، ولوحاتٌ ودِعايات، ثم أجلسني في مقصورة فسيحة
مُظلَّلة، وأنا أزهو بالملابس الرياضية التي أهداها إليّ، حتّى
شكَّكني ـ علمَ الله ـ في نفسي، وبقيتُ متحيّراً متعجّباً، ثمَّ
قلت: ما هذا يا أبا الجوائز؟
قال: هذا ملعبُ بغداد الكبير، قد زُرع بالعُشب
والنَّجيل، وحَفَّ به مُدَرجٌ يسعُ خمسين ألف متفرّج، وسأرعى
مباراة كرة القدم التي ستبدأ بعد قليل، وأمنح الفريق الفائز دِرْعَ
البطولة!
قلت: حسناً، فمَن ابتدع هذا اللون الجميل من
الرِّياضة؟
قال: أولُ مَن ابتدأها الإنجليز، ثمّ
أوْلَتْها المجتمعاتُ المتقدِّمة عنايةً فائقة، ورعايةً منقطعة
النظير، فجعلتها جزءاً من مناهجها الدراسية وثقافتها الأساسية،
وأنشأتْ لها الأندية والسّاحات والملاعب والصَّالات، وأقامتْ لها
البطولات، وخصَّصتْ لها أغلى الكؤوس، وأثمنَ الميداليات، وكرَّمت
المتفوقين بأرفع الأوسمة، وأعلى شهادات التقدير!
قلت: أليس في حضارتنا الزَّاهرة ما يدلّ على
احتفائها بالرياضة؟
قال: بلى يا نطّاحة، إنك إذا رميتَ ببصرك إلى
تلك الحضارة الشامخة وجدتَ أنَّ النبيَّ الكريم صلى الله عليه وسلم
قد أوجب على كلّ فرد أن يعتنيَ بصحة بدنه من حيث النظافة والأناقة
واللَّياقة، وجعل تلك العناية حقّاً للبدن فقال: «وإنَّ لبدنك عليك
حقّاً».(8)
وقد كان يسابق زوجَه عائشةَ أمّ المؤمنين
فتسبقه ويسبقها، وكان يحضّ أصحابه على اكتساب القوة البدنية،
فيرتقي المنبر، وهو يقول: «وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة، ألا
إنَّ القوّة الرَّمي، ألا إنَّ القوّة الرَّمي».(9) وروي أنّه ـ
صلى الله عليه وسلم ـ صارع بمكّة رجلاً معروفاً بالقوة يسمّى
«ركانة» فصرعه مرّة بعد مرّة!

وكان الفاروق عمر ـ رضي الله عنه ـ يقول:
«علّموا أولادَكم السباحة والرماية، ومُروهم فليثبوا على ظهور
الخيل وثبًا»! ومعلوم أنّ المريض والكسول والبدينَ الثقيل لا
يستطيعون أن يمارسوا هذه الأنواع الرياضية، لأنّها تقتضي رشاقة
وقوة ومهارة، فلا يستطيع أحدٌ أن يثبَ على ظهر الفرس إلا إذا كان
مُدرَّباً يمتلك جسماً لائقاً وحركاتٍ بارعة!
قلت: يا أبا الجوائز، قد كنّا نقرأ في
الكُتّاب قول القائل:
كُرَةٌ
ضُرِبتْ بصوالَجةٍ
فتلقَّفَها رَجُلٌُ
رَجُلُ!
فهل الرياضة ضربٌ من اللعب واللهو كان العرب
يمارسونه طلباً للتسلية، وقضاءً لأوقات الفراغ، فاحتذت الأممُ
حذوَهم؟!
قال: يا بنيّ، لم تعد الرياضةُ اليوم للتسلية
وإضاعة الوقت بل أصبحت ثقافة وضرورة وطريقةَ حياة: فالرياضةُ ضرورة
عقليّة ونفسية تُنشّطُ الذهن، وتمكّنُ الفرد من التفكير السَّديد،
واتخاذ القرار الصّحيح، وتروّحُ عن النفس، وتعوّدها اليقظة
الدائمة، وتجنها الكسل والخمول والتقاعس، وما أصدقَ المثل المشهور
الذي يقول: «العقل السّليم في الجسم السّليم»!
والرياضة ضرورة بدنية وطبيّة تهبُ الجسمَ
القوةَ والمتانة، وتشحنُه بالنشاط والحيوية، وتمنحه المناعة من
الأمراض والعِلل، فهي تنشّطُ القلب والدورة الدّموية، وتحسِّنُ
وظائف الدماغ، فهي دِرْهم الوقاية الذي هو خير من قِنْطار علاج!
والرياضةُ ضرورة خُلقية واجتماعية تعمّق في
النفس الشجاعة والإقدام، وتغرسُ فيها القيم الرَفيعة كالإيثار
والثقة والمحافظة على النظام، وتقوي الأواصر بين اللاعبين
ومجتمعاتهم، وتطلعُ الفرد على ألوان الحياة المتنوّعة عند شعوب
الأرض، وتدفعُ عن الناشئة غوائلَ المفاسد:
إنَّ
الشَّبابَ والفراغَ والجَدَةْ
مَفْسَدَةٌ للمرءِ
أيُّ مَفْسَدَةْ!(10)
والرياضةُ فوق هذا وذاك ضرورةٌ جماليّة، والله
جميلٌ يحبّ الجمال، وليس الجمالُ والله إلا النّضارة والرَّشاقة
وحُسْن القَوام، ولن ترتسمَ هذه المظاهرُ الجماليّة على قسمات وجه
أو أعطاف جسم إلا بممارسة الرياضة العقليّة والبدنية!
قلت: رغبتني في الرياضة إذ عددتَها من أهم
أنشطة الإنسان على هذا الكوكب الأرضيّ السابح في الفضاء.. فقاطعني
قائلاً: قد دخل الفريقان إلى الملعب، فلتشاهد وتستمتع!
فنظرتُ فإذا فريقُ الرُّصافة يرتدي الملابس
الزرقاء وفريقُ الكَرْخ يرتدي الملابس البيضاء، ثمَّ انبثّوا في
ساحة الملعب، ورُميت الكرةُ بينهم، وقد احتشد آلاف المتفرّجين
يهتفون ويشجّعون!
ثّم بعد مدّة أعلن الحكم فوز فريق الرُّصافة
بثلاثة أهداف، فتقدّم أفراد الفريق إلى المِنصّة، وسلّمهم أبو
الجوائز دِرْعَ البطولة وسْطَ التصفيق والأهازيج والنشيد!
ثم لما انتهى الحفل التفتَ إليَّ أبو الجوائز
وقال: كيف وجدتَ المباراة؟
قلت: رائعة، فما أجمل أن ترى الملعب، وقد
احتشد فيه الناس، وهم يرتدون الملابس الملوّنة التي تميّز كلَّ
فريق، وكأنَّها ألوانُ الزَّهر المتنوّع في الرَّوض النَّدي! وقد
أعجبني المُعلِّق الرياضيّ الذي يتحدّث بالعربية الفصيحة، ويؤثر
المصطلحات العربية على الأجنبيّة!
قال: حقّاً إنَّ العربيّة أجملُ من اللغة
الأجنبية، فالسِّروال والقميص والحِذاء الرياضيّ ألطفُ من «الشورت»
و»الكَلَر» و»البوت»! وضربةُ الجزاء ولمسةُ اليد ورميةُ التماس
والضربةُ الرُّكنية والتسلّلُ أحلى وقعاً من «بلانتي» و»هانس»
و»آوت» و»كورنر» و»أُف صايد»! لله درُّ العربية ما أجملَها!
قلت: يا أبا الجوائز، أتقتصرُ الرياضة على كرة
القدم؟ أم هي ألوان متعددة، وأنواع متجدّدة؟
قال: بل هي أنواعٌُ تكاد تستعصي على الحصر،
فما أمتعَ أن تشاهد الألعاب الرياضية، وتستمتع بتنوعها، فتنقل بصرك
وقلبك وانفعالاتك من كرة القدم وكرة الطائرة وكرة السلة وكرة اليد
إلى السباحة والتزلُج والشطرنج وألعاب القُوى والمصارعة والملاكمة
والتنس الأرضيّ، وكأنّك تنتقل بين حقول خلابة، ومروج خَصِبة،
تنوّعتْ فيها الفاكهة، وفاحت من جنباتها الروائحُ العطِرة!
وأهلُ الرياضة يا نطَّاحة، يستمتعون ببطولاتها
الدّوريّة ومهرجاناتها الموسميّة، يستمتعون بمشاهدة الألعاب
الأولمبيّة،(11) ومتابعة كأس العالم التي يسميها العجم
«المونديال»! والأحسن أن تسمّى سيف العالم، لأنّ الخواجات يرمِزون
بالكأس إلى الخمر والسُّكر والنشوة، أمّا السيفُ فهو رمزٌ للقوة
والشجاعة والفتوة!
قلت: فما نصيب «عرب سات» من المونديال؟
قال: الخيبة والخسران وجرّ الأذيال!
قلت: لِمَ؟ أليستْ لهم فِرَقٌ ومنتخبات،
وملاعب ومعسكرات؟!
قال: بلى، لهم ملاعب فخمة، وأرصدة ضخمة،
وأندية مُزدحمة، ومُدرّبون محترفون، وهَيْل وهَيْلَمان،(12)
ولكنّهم يخسرون كلَّ مرَّة في الميدان، وتسوّدُّ وجوهُهم أمام
«الفيفا»(13) والعربان، لأنَّ أفراد المنتخب يُعيّنون بالواسطة،
وليس بالكفاءة والموهبة، يُعيّنون بمرسوم وإرادة، وخطاب سِرّيّ
وسُكَّر زيادة، وتكون النتيجة توظيف عُرْجان لا يحسنون اللعب في
الحارات ناهيك عن ملاقاة «ميلان»، والبرازيل « ورويال مدريد»
والأرجنتين!(14)
والعجب أنَّ كلَّ واحد من هؤلاء العُرْجان
يظنُّ نفسَه «بيليه» أو «مارادونا» أو زين الدين زيدان، أو
«بلاتيني»، أو «رونالدو» الفنَّان!(15)
وإذا سمعتَ مُعلِّقي «عرب سات» حسبتَ أنَّ
حرباً عالمية قد نَشبتْ، وطحنَت الحجر والبشر، فما أكثر ما
يُردّدون: وانطلقت القذائف الصّاروخيّة، ودُمّرت الشباك وفُجرت
قنابلُ الأهداف، وهُزم هزيمةً ساحقة!
وقد اتخذ هؤلاء العُرْجان الرياضةَ سُلّماً
للشُّهرة، ومِصْيدةً لجني أموال المشجّعين المساكين، ووسيلةً
للمتعة واللَّذة، واتخذ أرباب «عرب سات» من الرياضة مَشْغلة
للأجيال، ومَفْسدة للزُّراع والعُمّال، ومَنْفقة لِسِلَع الاغيار،
لتسلمَ لهم الكراسي وقناطيرُ المال!
قلت: أسمعك تَزْري(16) على «عرب سات» وتلومهم
دون غيرهم!
قال: يا بُنيّ، أتريدني أن أزْري على الخواجات
وألومَهم، وأدع عرب الفضائيات؟! فليس لهؤلاء الخواجات «أقصى» جريح
يبكونه، ولا «أندلس» مفقودة يرثونها، وليس في أديم أوطانهم جِراحٌ
تنزِفُ من ألم الجوع والفقر والأمّيّة! وإنّما أزْري على أمّة
اشتغلت باللهو، وركَنتْ إلى الدَّعة، وقعدتْ عن منافسة الأمم في
بلوغ القِمم:
متى يبلغ
البنيانُ يوماً تمامَه
إذا كُنتَ تبنيهِ
وغيرُكَ يهْدِمُ(17)
قال نطَّاحة: فصمت
أبو الجوائز الواسطيّ طويلاً، وتمتمَ بكلمات تبيّنتُ منها قوله:
حسبُنا الله، عسى رَبُّنا أن يُبْدِلَنَا خَيرًا منْ «عرب سات»
و»عرب مات» إنَّا إلى رَبِّنَا راغِبون، ثمَّ أخرج من حقيبته نشرة
رياضيّة، فمددتُ يدي ففتحتُها فإذا عنوانها الذي يقطر أسى:
إشغال الأجيال بالأُلمبياد والمونديال!
هوامش:
1- نطَّاحة: أبو علي أحمد بن إسماعيل
الأنباريّ، أديب مترسّل، كان كاتباً لعبيد الله بن عبد الله بن
طاهر، له ديوان رسائل، وطبقات الكُتّاب، وصفة النفس. ت.
290هـ/903م.
2- واسط: مدينة في العراق بناها الحجّاج بن
يوسف الثقفيّ (ت 95هـ).
3- السِّهام الرَّائشة: يقال: هم كسهامِ
الجَعْبَةِ منها القائمُ الرائِشُ أي ذو الريش إشارة إلى كماله
واستقامته. نوفض: نسرع. قال تعالى: «كأنهم إلى نُصُب يوفضون» أي
يُسْرِعون.
4- رقشاء: يقال حَيَّة رقْشاء: فيها نقط سواد
وبياض.
أبو الجوائز الواسطيّ: الحسن بن عليّ، أديب من
الشعراء 5- الكُتّاب، له تآليف، أصله من مدينة واسط، سكن بغداد،
وتوفي بها سنة 460هـ/1068م.
6- مَرَقَ السهمُ من الرَّمِيَّة يَمْرقُ
مَرْقاً ومُرُوقاً: خرج من الجانب الآخر. وفي الحديث وذكر الخوارج:
يَمْرقونَ من الدِّين كما يَمْرُق السهم من الرميّة، أي يَجُوزونَه
ويخرقونه ويتعدّونه كما يخرق السهم الَمرْمّي به ويخرج منه.
7- البيت لسابق البربريّ (من شعراء العصر
الأمويّ ووعاظه، كان قاضي الرّقة بالموصل، وكان يفدُ على عمر بن
عبد العزيز يعظه، وشعره يفيض تقوى وورعاً. ت 100هـ/718م).
8- حديث رواه البخاريّ.
9- حديث رواه مسلم.
10- البيت لأبي العتاهية (ت 211هـ/856م).
الجَدَا: اليسار والغنى بعد الفقر: والمعنى أنَّ الشباب والفراغ
وكثرة المال تفسد المرء إفسادًا شديداً، لأنها تميل به إلى
الانهماك في اللذات.
11- الألعاب الأولمبية: أصلها ألعاب وثنية
يونانية، كانت تعقد مرة كل أربعة أعوام بمدينة أولمبيا تكريماً
للإله الأولمبيّ «زوس»!
12- الهَيْل والهَيْلَمان: يقال: جاءنا
بالهَيْل والهَيْلمان إذا جاء بالمال الكثير، والهَيْلَمان، بفتح
اللام وضمّها.
13- الفيفا: (FIFA) الاتحاد الدولي لكرة
القدم.
14- ميلان: نادٍ رياضيّ في إيطاليا. رويال
مدريد: نادٍ رياضيّ في إسبانيا.
15- بيليه: لاعب برازيلي. مارادونا: لاعب
أرجنتيني. زين الدين زيدان: لاعب فرنسيّ، وهو جزائري مسلم.
بلاتيني: لاعب فرنسي. رونالدو: لاعب برازيلي.
16- زَرَى عليه زَرْياً وزِرايةً ومَزْريةً
ومَزْراةً وزَرَياناً: عابه وعاتَبه، قال الشاعر:
يا
أيُّها الزَّاري على عُمَرٍ
قد قُلْتَ فيه غَيْرَ
ما تَعْلَمْ.
17- البيت لصالح بن
عبد القدوس (ت 160هـ/776م).