أسسها المغفور له   

عبد القدوس القاسم الأنصاري

عام 1355 هـ / 1937 م

ملكها ورأس تحريرها المغفور له

نبيه عبد القدوس الأنصاري

 1403 - 1424هـ

 

مجلة للآداب والعلوم والثقافة

الصفحة الرئيسية الاصدارات مما قل كتالوج مسابقة المنهل الاتصال بنا

الغلاف
نحو اقتصاد المعرفة
جوائز
ذكرى ملك
مكافحة المخدرات
قرأة السيرة
ملتقيات
اصدارات
أحكام
إعجاز القرآن
تحرير المصطلح
عالم الكتب
اللحم الأبيض
شعر
معايير عالمية علمية
في الرد على المنصرين
حوار
فكر بفكر
في ذاكرة ال 28
من أسواق العرب
أعلام خالدة
رجال لهم تاريخ
الحديث ذو شجون
شعر
دراسات انسانية
الغذاء والدواء
شعر
كوارث طبيعية
أحماض أدبية
الأسرة انتماء
اهل جازان
قصة قصيرة
خطرات فكر
مسك الختام

الأسرة انتماء

 

علي محمد عساكر - السعودية -

 

(أهمية الأُسرَة في حياةِ الإنسان)

لا يخفى على أحدٍ أن الأسرة تؤدي دوراً مهما جدا في حياة الإنسان الفرديّة والاجتماعية، وعلى الصعيدين: الديني والدنيوي، ولها الأثر الأكبر في توجيهه نحو الخير أو الشر. والأخذ بيده إلى حيث السعادة أو الشقاء.

بل إنّ الأسرَة شريانُ الحياة وسرُّ البقاء، فلا يمكن للحياة أن تستمر من دون الأسرة التي هي السبب الرئيسي في حفظ النوع الإنساني، وإنقاذ الجنس البشري من الفناء، وإنّ الذين يُعادون الأُسرة. ويطالبون بإلغائها من قاموس الحياة، إنما هم في الحقيقة أعداء الإنسانية، ووحوش الغاب، الذين لا يهمهم إلا الظفر بفريستهم، وإشباع غرائزهم عن أيّ طريقٍ كان، ومهما كان الثمنُ غاليا ومكلفا.

يقول العقّاد: «فمن عادى الأسرة فهو عدوّ للنوع الإنساني في ماضيه ومستقبله ولا يُعادي الأُسرةَ أحدٌ إلاّ تبيَنتْ عداوته للنوع الإنساني من نظرته إلى تاريخ الأجيال الماضية. كأنه ينظر إلى عدوٍّ يُضمر له البغضاء. ويهدم كل ما أقامه من بناء.

وما من سيئةٍ تحسب على الأسرة بالغة ما بلغت سيئاتها من الكثرة والضرر مسوّغة لمحب بني الإنسان أن يهدم الأسرة من أجلها. ويعفى على آثارها.

فَحبُّ الأسرة ـ حقاً ـ قد سوّل للناس كثيرا من الجشع والأثرة. ومن الجبن والبخل ومن الكيد والإجرام. وكذلك حب الإنسان نفسه قد فعل هذا في العالم الإنساني وزيادة.

ولكننا لا نمحو الإنسان ولا نمحو الأسرة من أجل الأثرة وأضرارها. وإنما نمحو الأثرة ما استطعنا. ونوفّق بينها وبين الإيثار غاية ما يُستطاع التوفّيق بين الخليقتين، ونفلح في ذلك مع الزمن لأنّنا أفلحْنا كثيراً في تعميم روابط الأسرة الصغيرة بين أبناء الأسرة الكبيرة وهي الأمّة..»(1).

بل لا يمكننا أن نمحو الأسرة، وليس باستطاعتنا أن نقضي عليها مهما فعلنا، لأنَّ الميلَ إلى تكوين الأسرة ميلٌ فطريٌ: أو قل: حاجة فطريّة لا يمكن للإنسان أن يستغنى عنها أبدا.

فكلُّ إنسان يميلُ ـ فطريا إلى أن يختصَّ ببيتٍ وزوجةٍ وذريّة...

ولأنَّ الميلَ إلى تكوين الأسرة هو ميلٌ فطريّ، فقد فشل النظام الشيوعي في تطبيق قانون إبادة الأُسرة ومحاولة القضاء على النظام العائلي(2).

وكان أفلاطون قبل حوالي ألفين وستمائة سنة قد اقترح مثل هذه الفكرة. وخصّصها في طبقة الحكام والفلاسفة، الحكام باعتبارها الطريق الوحيد والحلّ الأمثل للقضاء على تصرفاتهم الشخصيّة السيّئة، ولكن أفلاطون نفسه قد ندم على ذلك أشدّ الندم حيث تجلت له الآثار الوخيمة المترتبة على فكرته الفاشلة.

وقد ظهرتْ الدعوة إلى إلغاء الأسرة، والقضاء على النظام العائلي في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ولكنَّ هذه الدعوة باءت بالفشل الذريع، ورفضَها البشر لأنها على خلاف ما فطرَهم الله عليه.

لذا نُكرّر قولنا ونؤكده:

بأنه لا يُمكننا أن نلغي نظام الأسرة، ولن نستطيع أن نقوم بمحوه، ولو كان بعضُنا لبعضٍ ظهيرا.

وكيف نستطيع أن نقضي على النظام الأسَريّ، ونُلغيه من الحياة، والأمر ـ كما يقول العقّاد ـ: «لا أُمّة حيث لا أُسرة.. بل لا آدميّة حيث لا أسرة»(3).

الأسرة والعائلة بمعنى واحد:

وقد وردتْ تعريفاتٌ كثيرة للأسرة، ورغم كثرتها إلاّ أنها تجري في قناةٍ واحدة وتصُبُّ في مصبٍّ واحد، أيْ أنّها تختلف في التعبير والعبارة، وتتفق في المضمون والمعنى ولا بأس من ذكر بعض هذه التعريفات.

فقد عرّفها (نمكوف) بأنها: «تتكوّن من الزوج والزوجة والأطفال، أو من غير أطفال وقد تتمتع بصفة الديمومة والبقاء، وتتكوّن من الزوج والأطفال أو من الزوجة والأطفال، وذلك في حالة الوفاة أو الطلاق»(4).

ويرى (ابن منظور) أنّ أُسرة الرجل: «عشيرته ورهطه الأدنون، لأنه يتقوّى بهم، والأسرة عشيرة الرجل وأهل بيته»(5).

وعرّفها بعض البـاحثين الاجتماعيين بأنها: «رابطة اجتماعية تتكوّن من زوج وزوجة وأطفالهما، وتشمل الجدود والأحفاد وبعض الأقارب على أن يكونوا مشتركين في معيشة واحدة»(6).

والأُسرة في المفهوم القرآني أشار إليها المولى الباري في قوله تعالى: (والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة...)(7).

فالأسرة وفق هذه الآية الشريفة تتكوّن من الزوج والزوجة والبنين والحفدة.

والحفدة: هم الأعوان والخدم والأصهار والأختان وأولاد الأولاد(8). وإن كان الأشهر عند المفسّرين أنّ المعنى بالحفدة في هذه الآية المباركة هم أولاد الأولاد يقول القرطبي: (ما قاله الأزهري من أنّ الحفدة أولاد الأولاد، هو ظاهر القرآن بل نصّه، ألا ترى أنه قال: «وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفَدة» فجعل البنين والحفَدة منهنّ).

قال القرطبي: وقال ابن العربي: الأظهر عندي في قوله :»بنين وحفدة» (أنّ البنين أولاد الرجل لصُلبه، والحفَدة أولاد وُلده. وليس في قوّة اللفظ أكثر من هذا، ويكون تقدير الآية على هذا: وجعل لكم من أزواجكم بنين ومن البنين حفدة)(9).

وبناءً على ما ذكرناه فإننا لا نستبعد صحّة ما ذهب إليه البعض من أنّ الزواج الذي لا تصحبُه ذريّة لا يكون أسرة(10).

ونستطيع أن نقسّم الأُسرة من حيث الشكل إلى ثلاثة أقسام كما يلي:

الأسرة المركزيّة: وهي التي تتكوّن من الزوجين وأطفالهما، أو حتّى من الزوجين وإن لم يكن لهما ذرّية على رأي من يذهب إلى أن الأسرة من الممكن أن تتكوّن من الزوجين فقط.

الأسرة المركّبة أو المزدوجة: وهي التي تتكون من أُسرتين أو أكثر.

الأسرة الممتدّة: وهي تتكوّن من عدد من الأسر الفردية على صلة من القربى وهي ـ عادة ـ تتكوّن من الأُسرة الفرديّة للرجل وأبنائه، أو الأُسرة الفرديّة للمرأة وبناتها، شريطة أن يعيشوا في مسكنٍ واحدٍ كبير أو في عدّة مساكنَ متقاربة(11).

والإنسان مهما كان مقامُه فإنه يعيش في نوعين من الأسر:

الأولى: الأسرة التوجيهيّة/ وهي التي يتربّى فيها وتتكوّن من الوالدين والأخوة والأخوات.

الثانية: أسرة التناسـل/ وهي التي يتزوّج فيها وينجب منها ذريّته(12).

أهميّة الأُسرة في حياة الإنسَان:

الأسرة مهمة جدا في الحياة، بل لا نُغالي ولا نعدو الحقيقة إذا قلنا: أنه لا يُوجد في حياة الإنسان ما هو أهمّ منها على الإطلاق.

فالأسرة من المنظور الإسلامي أعظم بناءٍ يشيّده الإنسان في حياته، وأفضل عملٍ يقوم به خلال مسيرته الحياتيّة، حتّى قال رسول الإنسانيّة الأعظم (صلى الله عليه وسلم): (ما بُنيَ بناءٌ في الإسلام أحبُّ إلى الله من التزويج)(12).

وما كان التزويج أحبّ وأعظم بناء في الإسلام عند الله عزّ وجل إلاّ لأنَّ الزواج هو القاعدة الأولى، وحجر الأساس في بناء الأسرة وتكوينها، هذا البناء الذي هو سرُّ بقاء الإنسان وخلوده في هذه الدنيا إلى أن يرثَ الله الأرضَ ومن عليها.

وتكمنُ أهميّة الأسرة في أنّها ترتبط ارتباطا وثيقا بالإنسان، ولها علاقة وطيدة بكلّ أمر من أمور حياته.

ونستطيع أن نلحظَ ذلك إذا تمعّنا وتعمّقنا في دراسة وفهم النقاط التالية:

تنظيم العلاقة الجنسيّة:

فمن أهم فوائد الأسرة الدالّة على أهميّتها في الحياة، أنها تنظم العلاقة الجنسيّة بين الجنسين، وتمكن الرجل والمرأة من إشباع هذه الغريزة بكلّ طُهرٍ وعفاف، دونَ الانسياق وراء الرذيلة والوقوع في مهاوي الفسق والفجور، والاندفاع نحو انتهاك حُرُمات الآخرين، والتعدّي عليهم بهتك أعراضهم.

فنحنُ نعلم أنّ الغريزةَ الجنسيّة من الغرائز المهمّة والقوّية جدا عند كلّ إنسان، وهي مما فطرَه الله عليه لهدفٍ سامٍ وغاديةٍ تتمثل في استمرار الحياة وحفظ النوع البشري من الموت والفناء.

والإنسان لا يستطيع أن يُلغي هذه الغريزة من قاموس حياته، لأنها ـ كَمَا قلنا ـ من الأمور التي فطرَ الله الناسَ عليها، فلا يستطيع الإنسانُ أن يستغنيَ عنها، إذ لا تبديل لخلق الله.

كما أنّ كبتَ هذه الغريزة وحرمانها من ممارسة وظيفتها الطبيعية مما لا سبيل إليه إذ أنّ ذلك يعني الحكم على البشرية بالموت والفناء، أضفْ إلى ذلك أن كبتَها يُؤدي إلى إصابة الإنسان ذكرا كان أو أنثى بالعديد من الأمراض الجسدية والنفسية، ويجعله يعيش في حالةٍ سيئةٍ من اليأس والقلق والاكتئاب، ويعيقه عن ممارسة دوره الفاعل في بناء الحياة وتطويرها.

يقول الدكتور (صبري القباني): (من العسير أن يشعر المرء بالهناءة والهدوء، وأن يحتفظ بعقل رصين، ونفسٍ مُطمئنة، وهو في حالة كبتٍ مُستمِرّة، أو إخفاق في الاستجابة إلى نداء الجنس ذلك النداء الطبيعي الذي وضعه الخالق فينا منذ الأزل، نحنُ نعلم بأن خرق القوانين الاجتماعية يؤرّث عادة الندم وعذاب الضمير وجزاء المجتمع ولكن علينا أن نعلم أيضا بأن خرق القوانين الطبيعية، وصمم الآذان عن نداءات الجنس الطبيعية بكبت الشعور، وعدم الاستجابة لدواعيه يورّث صاحبَه الأمراض والعلل والأسقام، ويوقف نشاطه وحيويّته وعقله عن الإبداع والإنتاج فيقتص منه قصاصا عسيرا)(13).

وإذا كان كبتُ الغريزة الجنسيّة يؤدّي إلى مثل هذه الأمراض والعُقَد الخطرة، فإنّ عدم ضبطها يؤدي بالإنسان إلى الانحراف والشذوذ الجنسي، فيدفع الرجل إلى اللواط والمرأة إلى السحاق. ويدفعهما معا إلى الزنا وممارسة العادة السريّة(14).

ومن المعلوم أنّ الانحراف الجنسيّ يُسبّب الكثير من المشاكل المعقّدة، والأمراض القاتلة على جميع الأصعدة الصحيّة والاجتماعيّة والأخلاقيّة والاقتصادية... مما يؤدي إلى دمار المجتمع البشري، بل وإبادته عن جديد الأرض.

ومن بين المشاكل المستعصية المترتّبة على الانحراف الجنسيّ:

أ- اختلاط المياه في الأرحام، وضياع الأنساب بين الناس.

ب - الإصابة بالأمراض الفتاكة مثل السيلان والسلس والإيدز والقرحة الرخوة والأمراض الزهريّة.

ج- انتشار أبناء الزنا في المجتمع، وتحولهم إلى مجرمين بسبب عدم الرعاية والتربية.

د- زعزعة أمن المجتمع والتعدّي على حُرُمات الناس وانتهاك أعراضهم.

هـ - انهيار القيم الأخلاقية، وتحوّل الناس إلى بهائم وحيوانات لا يفكّرون إلا في غرائزهم وشهواتهم مما يُفقدهم كرامتهم الإنسانيّة.

و- تعطيل الطاقات، وعدم الاستفادة من المواهب، وانحراف الناس عن العمل وعمارة الأرض، بسبب انسياقهم وراءَ الشهوة.

ز- تأثر المجتمع اقتصاديا بسبب الأموال الطائلة التي ستنْفق على بناء الملاجئ لأطفال المعاشرة المحرّمة، وعلى معالجة المنحرفين جنسيّا.

إلى ما هُنالك من آثار سيئة مترتبة على انحراف الإنسان جنسيا، وليس هُناك من حلٍّ جذريّ وواقعي لهذه المشكلة إلا ضبط هذه الغريزة وإشباعها بالطريق الشرعيّ المتمثل في الزواج وتكوين الأسرة.

فالزواج ـ كما يقول محمُود بن الشريف ـ: (هو الحصنُ الذي يردّ على المرء جموحَ الغريزة ويدفعُ غائلة الاشتهاء، ويحفظُ الفرجَ، ويصونُ العِرضَ، ويحُولُ دونَ التردّي في مزالق الفجور ومهاوي الفاحشة).

ولو لم يكُن للأسرة من أثرٍ في حياة الإنسان إلاّ هذا لكفانا ذلك دليلاً قاطعاً على سُمُوّ منزلة الأسرة، وأهميتها في حياة البشر.

حفظُ النوْع البشَريّ:

إنّ بقاء الحياة وعمارةَ الأرض مرهونٌ بدوام النسل، وتعاقب الأجيال، وهذا ما لا يُمكن أن يتحقّقَ من دون الأسرة التي تعتبر الركيزة الأولى والأخيرة في حفظ النوع البشَريّ. وذلك عن طريق التزاوج والتناسُل والتكاثر.

يقول الدكتور (عبد الحكم عبد الطيف الصعيدي): (إنّ مفهومَ الزوجيّة في الإسلام يُعتبر سرّ وجود هذا العالم... كما أنّ النظام الأسري هو الوسيلة الوحيدة التي تضمن امتدادَ العنصُر البشَريّ وبقاءه...).

صحيح أنّ المعاشرة المُحرَمة قد تنتج أولادا، وتُخلف أطفالا، ولكننا لا يمكننا أن نعتبرَ هذه المعاشرة غير الشرعية طريقا صحيحا لحفظ النوع البشريّ، إذ أن هذه المعاشرة تنطوي على الكثير من المآسي والفجائع التي أشرنا إلى بعضها قبل قليل، وإنّ هؤلاء الأطفال الذين يأتون إلى الدُّنيا عن طريق تلك العلاقات المُحرّمة لا نسب لهم، وليسوا أسوياءَ في أخلاقهم، ولا توجد لهم أسرة ترعاهم، ولا منزلٌ يُؤويهم.. فهم إلى الانحراف أقربُ منه إلى الاستقامة. بل في العادة يتحوّل هؤلاء الأطفال إلى مجرمين وسفاكي دماء ومدمني خمر، ومحترفي سرقة.. ونظرة بسيطة إلى ما آلت إليه الطفولة البريئة في الغرب تُوضّح لنا الحقيقة في أجلى صورها.

فثلث أطفال ألمانيا ـ مثلاً ـ من مواليد المعاشرة المُحرّمة، وهم يعيشون في الملاجئ ودُور الرعاية.

وتقول مصادر الشرطة في برلين إنّ 45% من حوادث العنف في المدينة يرتكبُها ناشئة بين 14 و18 سنة، وأنّ 5% منها يرتكبُها أطفال دونَ 14 سنة من العمر والأرقام مشابهة في مدن أخرى.

وفي بريطانيا تشير إحصائيات الشرطة إلى أنّ عدد الجرائم بلغ حوالي 1.113.000 جريمة أيْ بمعدّل 11 ألف جريمة يوميّا، ووُجد أن معظم الجرائم خصوصا سرقات البيوت والسيّارات تُرتكب من قِبل الشباب دون سنّ الحاديةَ والعشرين.

وفي أمريكا تدلّ إحصائيات مكتب التحقيقات الفدرالية أن الأطفال يبدؤون في تعاطي المخدّرات قبل سنّ الخامسة عشرة، وهذه الإحصائيات تقتصر فقط على عدد الأطفال الذين تقبضُ عليهم الشرطة، أمّا العدد الفعلي للأطفال الذين يتعاطون المخدّرات أو يقومون ببيعها إلى عصابات تجارة المخدرات فيصعب معرفته(15).

هذه بعض المآسي التي يُعاني الغرب آلامها نتيجة الانحراف الجنسي والتفكّك الأُسَريّ(16).

وهذا ما يؤكد لنا أنّ المعاشرة المحرّمة وإن أنتجتْ أطفالا إلا أنها لا تستطيع أن تحافظ على النوع الإنسانيّ، بل أن هذه المعاشرة هي الخطر الداهم الذي يُهدّد الإنسانية بالموت والانقراض والإبادة الكاملة، كما يؤكد هذا المعنى الكثير من الباحثين.

يقول (أحمد فائز): (لقد كانت فوضى العلاقات الجنسية هي المعول الأوّل الذي حطم الحضارات القديمة، حطم الحضارة الإغريقية، وحطم الحضارة الرومانية، وحطم الحضارة الفارسية، وهذه الفوضى ذاتها هي التي أخذت تحطم الحضارة الغربية الراهنة)(17).

إيجادُ الروابط النسبيّة:

وهذه فائدة ثالثة من فوائد الأسرة الدالة على أهميتها، وملخصها أن الروابط النسبية بين الناس إنما هي متوقفة على الزواج وتكوين الأسرة، فعن طريق الأسرة تتحقق القرابة بين الناس، ولولا الأسرة لما وجدنا في قاموس الحياة أي مصداق من مصاديق تلك المعاني السامية، المتمثلة في الأبوّة والأمومة والبنوّة والأخوّة والعمُومة والخؤُولة...

فلا يمكن أن يكون للإنسان أقارب وأرحام من دون وجود الكيان الأسري الذي عن طريقه تتحقق القربى بين الناس، مما يغرس في نفوسهم الحبّ لبعضهم البعض، ويدفعهم نحو التكاتف والتعاون والتواصل.. انطلاقا من صلة الرحم، وحُبّ القربى المودع في فطرتهم الإنسانية.

وإلى إيجاد الروابط الأسرية المنحصرة في بناء الأسرة يشير القرآن الكريم بقوله تعالى: (والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفَدة...)(18).

والآية صريحة الدلالة في أنّ ثمارَ الزواج انجابُ البنين والأحفاد الذين يكونون أرحاما وأقارب لتولدهم من صُلبٍ واحدٍ ورحمٍ واحد.

ولك أن تتصور الحياة الإنسانية كيف تكون إذا انعدمت بين الناس كلُّ الروابط النسبية، وصلة القُربى وأصبح الواحدُ منهم يعيش وهو لا يعرف له أباً ولا أخاً ولا أختاً ولا عمّاً ولا عمّة ولا خالاً ولا خالةً ولا ولداً ولا بنتاً... فهل من الممكن أن تستمر الحياة من دون كلّ ذلك، وينعم فيها الإنسان بالهدوء والاستقرار، والحب والأمان، والمودّة والرحمة.. أم أنّ الحياة ستتحوّل إلى جحيمٍ لا يُطاق ونارٍ لا ترحم.

إيجاد الروابط الأسَريّة والاجتماعية:

فكما أنّ الزواج يولد الروابط النسبيّة وصلة القُربى بين الناس، كذلك هو يُولد الروابط الأسَريّة، ويُقوّي الأواصَر الاجتماعية بين الناس، وذلك عن طريق تزاوج أفراد الأسرة من بعضهم البعض مما يجعلهم يتحدون ويتقاربون ويكونون كالبنيان المرصوص، أو كالجسد الواحد.

ولعلّ هذا من ضمن الحكم الإلهيّة البليغة التي على أثرها حثّ الإسلامُ الإنسانَ إذا أراد الزواج أن لا يتزوج من أقربائه وأرحامه، بل رغب إليه الزواج من الأسرة البعيدة التي لا تربطه بها أيّة قرابة، حتى يكون من أولويّات ثمرات هذا الزواج تقارُب الأسرتين، بل تحوّلهما إلى أسرة واحدة.

إنقاذ الإنسان من القلق:

إن الأسرة تخلص الإنسان من القلق والاضطرابات النفسية، وتمنحه الهدوءَ والاستقرار والطمأنينة، وتجعله يعيش مع أهله وعائلته في ألفة ومحبّة ومودّة ورحمة.

لذا نجد القرآن الكريم يعتبر الزواج سكناً يؤوى إليه الإنسان ليجد فيه الراحة والسعادة.

كما يقول تعالى: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودّة ورحمة).

حماية الإنسان من الانحرَاف:

ومن الفوائد المهمّة جداً للأسرة أنها تحمي الإنسان من الانحراف والوقوع في الجريمة، وتساعده على الاستقامة والاعتدال في كلِّ أمور الحياة.

فالأُسرة هي المدرسة الأولى التي تشرف على تربية الأطفال، وتهذيب أخلاقهم، وتقويم سلوكهم، إلى أن تخلقَ منهم أولاداً صالحين مؤمنين، ملتزمين بكُل التعاليم الدينية، ومتمسّكين بكلِّ القيم الإنسانيّة..

ولا يُمكن لأيّ أُمّة من الأمم أن تقوم بتربية الأطفال، وإعدادهم لتحمّل المسئولية في المستقبل ما لم تهتم بالأسرة وتحافظ عليها.

وقد رأينا قبلَ قليل أنّ هدم الكيان الأُسَري في الدول الغربيّة قد أثّر تأثيراً سلبياً على الطفولة البريئة، وجعل الأطفال هناك يعيشون التيه والضياع ويفقدون الحُبَّ والحنان، ويحرمون التربية والتعليم... مما جعلهم يتحوّلون إلى مجرمين وسفاكيْ دماء، ومدمني خمر.... وهم في عمر الزهور والرياحين.

وهكذا نرى أنّ الأسرة هي المدرسة الأُولى للتربية والتعليم، كما أنها حجرُ الأساس في إعداد أطفال اليوم ليكونوا شبابَ الغد ورجالَ المستقبل.

 

الهـوامـش:

1- حقائق الإسلام وأباطيل خصومه ص147-148.

2- انظر عن محاولة النظام الشيوعي إلغاء النظام الأسري كتاب «القرن الواحد والعشرون والبحث عن الهوية» ص168-170.

3- حقائق الإسلام وأباطيل خصومه ص148.

4- أثر التفكك العائلي في جنوح الأحداث ص14-15.

5- لسان العرب ج4 ص20.

6- النظام التربوي في الإسلام ص64 هامش.

7- سورة النحل الآية 72.

8- انظر لسان العرب ج3 ص153.

9- الجامع لأحكام القرآن المجلد الخامس الجزء العاشر ص144.

10- هامش ص64 من كتاب النظام التربوي في الإسلام.

11- انظر كتاب أثر التفكك العائلي في جنوح الأطفال ص16.

12- الأسرة في الإسلام ص65.

13- حياتنا الجنسيّة ص21-22.

14- انظر كتاب الزواج في الإسلام وانحراف المسلمين عنه ص30.

15- انظر عن كل ما ذكرناه الملف الخاص الذي أعدّته مجلة المجتمع عن الآثار السيئة المترتبة على العنف والجنس في الغرب وذلك في العدد 1130 السنة 25 الصادر يوم الثلاثاء 17 رجب 1415هـ الموافق 20 ديسمبر 1994م.

16- للوقوف على المزيد من فجائع المجتمعات الغربية المترتبة على الإباحية والتفكك الأسري راجع نفس العدد المشار إليه سابقا والعدد 1218 السنة 27 الصادر يوم الثلاثاء 11 جمادى الأولى 1417هـ 24 سبتمبر 1996م من مجلة المجتمع وكتاب دستور الأسرة في ظلال القرآن الكريم ص208-230 والتكامل في الإسلام المجلد الثاني الجزء السادس ص556-566 والجزء السابع ص728-735.

17- دستور الأسرة في ظلال القرآن ص208.

18- سورة النحل الآية 72.

 

          

 

 

جميع الحقوق محفوظة إلى دارة المنهل للصحافة والنشر المحدودة

تحتفظ هيئة التحرير بالحق فى تحديد أولويات النشر ويخضع ترتيب مواد المجلة لاعتبارات فنية لا علاقة لها بالموضوع أو مكانة الكاتب