وبعد
زيارتي القصيرة التي زادتني شغفاً وشوقاً تذكرت أبيات
الشاعر أحمد سالم باعطب التي خاطب فيها جازان بقوله:
جازان يا حلوة أبصرتُ في يدها
للحُبِّ والنُّور باقات ومصباحا
إذا أدلهم الدُّجى في
ليلة عبست
بزغت فجراً جميل الوجه وضَّاحا
كم عطرت قبلةٌ من فيك
أوديةً
وكم قتلت بسيف الحق سفاحا
إذا لقيتك ألفيت الدروب
سنىً
والأفق مزدهراً ورداً وتفاحا
قالوا: الملُوحة سيماها،
فقلت لهم:
الملح صيَّرني للحب ملاحا
أخوض بحرك لا أخشى عواصفه
أطوي المسافات سبَّاقاً وطماحا
ياسلة الخير يالحنا أردِّده
ما زال ثغرك بالإلهام صدَّاحا
بوركت للأمل المنشود
مزرعةً
تعطي، وبورك هذا الشعب فلاحا(1)
هذه هي
جازان كما شاهدتها (على عجل)، طموحٌ وثَّاب لا حد له،
ما عاقه: ملوحة الأرض والرطوبة القوية في المناخ، وما
عاقه صعوبة التضاريس فجبالها شاهقة وقراها متباعدة،
وما عاق ذاك الطموح شَظَفُ العيش وصعوبة إقامة المباني
واستصلاح الأراضي للزراعة... بل إنَّ تلك الصعوبات
وغيرها قد ضاعفت طموح السكان وحبهم لأرضهم وتمسكهم
بها.. ولم يتم لهم ذلك الطموح والحب والتمسك لولا قدر
كبير من: الصَّبر وطول النفس والأمل الكبير والثقة في
وعد الله لعباده العاملين.. أما القناعة والرضا فأمرها
عجيب عند أولئك القوم، فقد وقفت في أماكن كثيرة أحدها
عند عائلة تسكن في بيت من الخشب والخيام والثاني عند
رجل يمشي خلف ناقته في أعالي الجبال والثالث عند صياد
سمك في البحر وكل أولئك يقولون بصوت واحد: الحمد لله
نحن بخير وفي خير من الله ونعيش في نعمة كبيرة.. أولئك
الإخوة يرون أمامهم مواطنين آخرين يملكون العمارات
والمؤسسات والسيارات الفارهة غالية الثمن.. ومع ذلك
فامتلاكهم لـ(كنز القناعة والرضا) جعلهم يشعرون
بالسعادة ويعيشون فيها وما شعروا بألم أو حزن أو قلق
وكم كان الشاعر موفقاً حينما صوَّر هذه الحالة من
الرضا والسَّعادة بقوله:
وما كل ما فوق البسيطة كافياً
وإذا
قنعت فكل شيء كافي
قُلْتُ:
إنَّ الصفات التي ملكها أهل جازان أوصلتهم إلى القمة
في: العلم والتنظيم والجمال والرقي والتقدم. وزائر
جازان يلمس ذلك.. فقد استطاع عدد كبير جداً من أبناء
المنطقة أن يحققوا أعلى الدرجات العلمية في العلوم
العسكرية والمدنية، وفي تخصصات دقيقة جليلة من أهمها:
الطب والهندسة والعلوم الشرعية.
أما
التنظيم والجمال في جازان فحدث ولا حرج، فالناس هناك
عُشَّاق للجمال في المسكن والملبس والمركب والطريق
والمدرسة وغيرها ومحافظتهم على النظام مضرب مثل في
المملكة العربية السعودية بعامة ومشاركتهم في التنظيم
لشؤون الحياة كلها ملموس في القطاعات الحكومية
والأهلية جميعها.

ولذلك
كله تَقَدَّمت جازان وبسرعة وتطورت تطوراً باهراً بما
حباها الله من إمكانات وما قدمته الدولة لها من عطاءات
ومشاريع كبيرة.. ومن مظاهر ذلك التطور وجود جامعة من
أفضل الجامعات هي جامعة جازان ومصفاة للبترول وميناء
كبير ومئات المدارس للبنين والبنات.
أما
روافد الجمال والتألق والتَّميز في جازان فهي ميزة
لجازان وحدها، فجزيرة فرسان الكبيرة الرائعة بنت
(بارَّة) لجازان تمدُّها بتألق ونسيم عليل يبهج الحياة
ويغسلُ دَرَنَها، مثلما تمدها بأجود الأسماك وتجذب لها
السائحين من كل مكان، وإلى جانب فرسان تنتشر في بحر
جازان جزر كثيرة منها جزر مأهولة يسعد بعض المواطنين
بالسكن فيها وحبها حُباً جماً يسري في دمائهم وقد
قابلت أحدهم وعجبت كثيراً من عشقهم للبحر وسكنهم
فيه!!.
أما نادي
جازان الأدبي فهو بَدْرُ جازان ومشرق أنوار الأدب
والثقافة في المنطقة على مدى أكثر من خمس وثلاثين سنة
مرت من عمره نشر فيها أكثر من مائة وثمانين كتاباً
ومجلة.. وقد حظي النادي بانتماء عشرات الشعراء إليه
وتواصل مئات المثقفين معه وكرَّم النادي عدداً من رواد
الثقافة في المنطقة وأمنياتي أن يستمر النادي محضناً
للأدب الأصيل والثقافة الجادَّة.
بقي أن
أقول إنَّ جازان فوق ما ذكرت عنها.. ولا يكفي للحديث
عنها سطورٌ قليلة كهذه التي كتبت هنا، والزائر الذي
يريد أن يعرفها جيداً يحتاج إلى أيام ينعم فيها
بالتنقل بين مدنها وقراها متمتعاً بمناظرها الخلابة
والصور الرائعة فيها التي تدل على عظمة الخالق سبحانه
وتعالى وبديع صنعه.. ولرُبَّما كان من أمتع وأجمل
وأعجب ما في جازان شلالات وادي لجب، ذلك الكهف الفريد
الذي يجري فيه طول العام ماءٌ عذب زلال حلو طعمه جميل
منظره يتدفق بين الصخور ويجري في مسافات طويلة ويوصل
إليه طريق لا يزيد اتساعه وسط الجبل في الغالب على
ثلاثة أمتار.
أيها
القارئ العزيز هلمَّ إلى جازان فما راءٍ كمن سمعا.
(هـــــــــــامـــــش)
1- من
ديوانه (الوطن ولاء وانتماء) ط 1 عام 1422 هـ ص 69-70
نشره نادي جازان الأدبي.