ضمنا بصدره وقال:
ـ لا تخافا فالبحر صاحبي.
ولمَّ شباكه، أودعها جوف قارب
له، وفتح ذراعيه وأبحر.
صرخت أمي من بعيد.
ـ لمن ستتركني؟
غنى مع البحر ولم ينصت
لصرختها
وحين جاء الليل عادوا جميعاً
دونه.
بعد أربعين يوما حملتنا عربة
بأمتعتنا إلى القطار. بعيداً عنه، بعيداً سكنا. لم تفارقني صورته، ولم تصمت
أغنيته التي شداها لأبي، أسمعها الآن رغم صوتها الخافت. ما كرهت البحر،
كرهته أمي وكرهت كل ماء.
ـ الماء جسد البحر يا ولدي.
***
في إناء ماء نظرت لوجهي،
رأتني وأنا ابتسم فضربتني، بكيت، بكت معي، جلست وهي تضرب صدرها بيدها،
قالت:
ـ يا ولدي لن أعيش لو أخذك
مني، أخاف عليك منه، إنه غادر، إياك يوماً أن تحبه.
أمالت رأسها على يدها وشردت.
عدت أحدق في وجهي الذي يتماوج
على الماء أمامي، ابتسمت وتساءلت في نفسي.
ـ أيأخذني الماء لأبي؟
البخار الصاعد من الماء يخفي
ما حولي.
ـ أين السقف والحوائط؟
أدارتني في مواجهة مرآة
الحائط، لم أر صورتي، حدقت مرة أخرى.
ـ أين أنا؟
أسحرني الماء؟
أأخذني كما أخذ أبي؟!
عدت إلى مرآة الحائط، وجدت
قطرات من الماء عليها ووجدت وجهي فهتفت.
ـ أيها الساحر أعد أبي كما
أعدتني.
أهالت أمي الماء الدافىء على
جسدي المرتعش فملأني الدفء. نشفتني. ألبستني ملابسي الضيقة، تركتني، دخلت
حجرتها، خرجت مرتدية جلبابها الأسود، وقبل أن تذهب اضاءت لي الصندوق
الأسود، ظهر الناس فيه داخل مربع ضيق لا تكتمل لهم فيه حريتهم، أينكمشون
ويضغطون أجسامهم كي يدخلوه؟ أحس أنهم مقيدون مثلي. أطلت على صورة رجل يخطو
داخل الماء ليرمي شبكته فيه وكلما لملمها خرجت خاوية، نظر للسماء حزينا،
رماها مرة أخرى وحاول لمها، كانت ثقيلة، كأن البحر كله يشدها إليه. لم
يتركها فأخذته معها لقلب البحر، عاش هناك سنين، وفي يوم تمنى أن يرجع ليرى
ابنه.
ـ أتتركوني كي أعود للبر لأرى
ابني؟
ـ غداً ستعرف.
حدقت في الصورة لأعرف هل رجع
الصياد لابنه؟
دخلت عليّ أمي، رأت صورة
فضغطت بيدها فاسود الصندوق.
ـ نم يا ولدي نم.
لم أنم، سألت نفسي.
ـ هل يعود؟
انتظرته في اليوم التالي أمام
الصندوق لكنه ما عاد. انتظرته كثيرا في نفس الموعد لكنه لم يأت، ويوم أن
يئست من عودته. أيقظني نداء فرأيت البحر أمامي، كان يقترب كلما سرت تجاهه.
فتحت الباب دون أن تحس أمي ومشيت للشارع الواسع. رأيت القطار. إنه ينتظرني،
ركبته ولم أعرف إلى أين يذهب؟
وقف القطار. نزلت أسير في
شوارع غريبة، لم أسأل أحدا فلم أكن أعرف الى أين تحملني قدماي؟! شدتني
رائحة اشتقت لها، وحين رفعت رأسي رأيته.
ـ من جاء بي إلى هنا؟!
كان الميدان واسعا بوسطه
تمثال من صخر، أشار بإصبعه إلى ناحية البحر؟
تخطيت العربات ووقفت أمام
البحر، ظل رذاذه المتطاير يلفني من كل جهة وصوته يصرخ بصدري. جلست أمامه.
رأيت أبي يناديني، كان بعيدا. خرج من بين أمواجه. مرت الناس خلفي ولم أحس
بهم، سار على صفحته ونادى:
ـ تعال إليَّ.
كان ينظر لي ويبتسم.