إن
جائزة خادم الحرمين الشريفين للترجمة خطوة رائدة على طريق الحوار بين
الحضارات حيث إن عالمية الجائزة تجعلها أداة للتواصل وكم نتطلع إلى
توسيع قاعدة الترجمة لنقل مختلف العلوم إلى لغتنا العربية
إن تاريخنا الأدبي يعوزه الدرس والبحث لتوضيحه
وجليه، ولعل موضوع الترجمة من الأمور الهامة التي لها أثر بارز في
إثراء أدبنا العربي وإمداده بالكثير من صور الخيال، وبذلك اتسعت اللغة
العربية وزادت ثروتها بما بذل المترجمون والمعربون في سبيل مدها
بالكلمات الجديدة .. واتصالها بثقافات الأمم الأخرى، ولقد ازدهرت
الترجمة في العصر العباسي، ومع بدء النهضة العربية الحديثة في القرن
الماضي وما زالت تتسع وتزدهر. إن الترجمة تمثل آخر أهم الروافد البشرية
لقد زودت الترجمة الأدب العربي زاداً خصباً واتصلت
الثقافة العربية بثقافات الأمم الأخرى، فقد نقل المترجمون علوم وآداب
الإغريق إلى اللغة العربية وكتب أرسطو وافلاطون وجالينوس وأقليدس
الملاحم والأشعار، فشهد ذلك العصر نهضة كبيرة الأثر حيث زاد التلاحم في
ميدان الأدب بين الفكر العربي والفكر الإغريقي عن طريق ترجمة ذخائر
الآداب والمعارف للأمم الأخرى من سريان وفرس.
ولقد كان العصر الذهبي للترجمة هو عصر المأمون حيث
أنشأ دار الحكمة وغذاها بالمترجمين من كل جنس ومن أشهر المترجمين ابن
المقفع والحجاج بن مطر وثابت بن قرة ويوحنا بن ماسويه وحنين بن اسحق
ويحيى بن عدي وغيرهم.
ولقد تأثر الأدب بالترجمة شعراً ونثراً، حيث ظهرت
موضوعات وأبعاد فكرية وفشت مصطلحات فلسفية كقول المتنبي:
يموت راعي الضأن في ضأنه
ميتة جالينوس في طبه
وغيره كثير من الشعراء كالمعري وابن الفارض وابن
الرومي ممن تأثروا بالفلسفة اليونانية وحكمة ـ الهند وثقافة الفرس وفي
مستهل النهضة بالآداب الغربية وفنونها وجلب العلماء والمترجمين، وفي
مصر أنشئت مدرسة الألسن لتخريج المترجمين لنقل الكتب إلى العربية.
ولقد شهدت بعض العواصم العربية حركة رائدة في مجال
الترجمة حيث وفرت للقارئ العربي مؤلفات وبحوثاً كتبت بلغات شتى فأضافت
بذلك مدا فكريا وعطاء أدبيا وثقافيا.
وينبغي أن نذكر بالتقدير والعرفان ما قامت به دور
الثقافة ومكاتب الجامعات العربية ومراكز البحوث ومكتب التعريب في
المغرب والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم فقد أصدرت جميعا
عشرات الكتب والمؤلفات ذات القيمة العلمية والأدبية العظيمة.
وما زلنا نطمع في المزيد من العطاء والنشاط والدعم
من قبل مراكز الترجمة والجهات المتخصصة بحيث تحظى حركة الترجمة بالمزيد
من العناية والتقدم والتفاعل والاهتمام، وتوفر ما يحتاجه القارئ لزيادة
مفاهيمه ومداركه في مجالات العلم والأدب فتشبع حاجته وطموحه وتوفر
للباحث مصادر المعرفة والثقافة من آداب الأمم وثقافتها وحضارتها
ونتاجاتها الأدبية المهمة والمؤثرة والمضيفة إلى الثقافة الإنسانية
العالمية.